محمود توفيق محمد سعد

275

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

جاءت قصة أبينا " آدم " عليه السّلام في سور عدّة ، ولكنه لم يأت الأمر بالأكل من الجنة من حيث شاءا إلا في سورتين : البقرة والأعراف . في سورة " البقرة " : جاء البيان معطوفا بالواو وفي الأعراف بالفاء ، وفي البقرة جاء البيان بقوله ( منها ) وفي الأعراف ( من حيث شئتما ) ، في البقرة جاء قوله ( رغدا ) سائقا قوله ( حيث شئتما ) ، ولم يأت ذلك في الأعراف ، على الرغم من أنّ البيان عن أمرهما كان عن شيء واحد ، فلأيهما كان البيان الإلهي بأمرهما ؟ وإذا جئنا إلى مشتبه النظم في هذه الجملة المصورة الأمر الإلهي لآدم عليه السّلام وزوجته بالأكل من الجنة ألفينا أنّه لمّا كان السياق فيها " لمجرد بيان النعم استعطافا إلى الموالفة كان عطف الأكل بالواو في قوله جلّ جلاله ( وكلا منها ) كافيا في ذلك ، وكان التصريح ب " الرغد " الذي هو أجلّ النعم عظيم الموقع ، فقال تعالى ( رغدا ) . . . ( حيث . . شئتما ) بخلاف سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين ، وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيرا للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش ممن إحلال السطوات . . . " « 1 » وفي سورة " الأعراف " يقول : " ولمّا كان السياق هنا للتعريف بأنّه مكّن لأبشينا عليه السّلام في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارنا لوجوده ، ثمّ حسن في قوله ( فكلا ) العطف بالفاء الدّال على أنّ المأكول كان مع الإسكان لم يتأخر عنه ، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في " البقرة " ؛ لأنّ مفهوم " الفاء " نوع داخل تحت مفهوم " الواو " ولا منافاة بين النوع والجنس وقوله ( من حيث شئتما ) بمعنى رغدا أي واسعا ، فإنّه يدلّ على إباحة الأكل من كلّ شيء فيها غير المنهي عنه وأمّا آية البقرة فتدلّ على إباحة الأكل منها في أي مكان كان . وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أنّ من خالف أمره سبحانه وتعالى تلّ عرشه وهدم عزّه ، وإن كان فيه غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كلّ ما فيها غير شجرة واحدة . . . " « 2 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : ج 1 / 283 ( 2 ) - السابق : ج 7 / 371